أبي حيان الأندلسي
348
البحر المحيط في التفسير
قال ابن عباس : وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً ، هو نحت الأصنام وخلقها ، سماها إفكا توسعا من حيث يفترون بها الإفك في أنها آلهة . وقال مجاهد : هو اختلاف الكذب في أمر الأوثان وغير ذلك . وقال الزمخشري : إفكا فيه وجهان : أحدهما : أن تكون مصدرا نحو : كذب ولعب ، والإفك مخفف منه ، كالكذب واللعب من أصلهما ، وأن تكون صفة على فعل ، أي خلقا إفكا ، ذا إفك وباطل ، واختلافهم الإفك تسمية الأوثان آلهة وشركاء للّه وشفعاء إليه ، أو سمي الأصنام إفكا ، وعملهم لها ونحتهم خلقا للإفك . انتهى . وهذا الترديد منه في نحو : وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً ، قولان لابن عباس ومجاهد ، وقد تقدم لنا نقلهما عنهما ونفيهم بقوله : لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً على جهة الاحتجاج بأمر يفهمه عامّتهم وخاصتهم ، فقرر أن الأصنام لا ترزق ، والرزق يحتمل أن يريد به المصدر : لا يملكون أن يرزقوكم شيئا من الرزق ، واحتمل أن يكون اسم المرزوق ، أي لا يملكون لكم إيتاء رزق ولا تحصيله ، وخص الرزق لمكانته من الخلق . ثم أمرهم بابتغاء الرزق ممن هو يملكه ويؤتيه ، وذكر الرزق لأن المقصود أنهم لا يقدرون على شيء منه ، وعرفه بعد لدلالته على العموم ، لأنه تعالى عنده الأرزاق كلها . وَاشْكُرُوا لَهُ على نعمه السابغة من الرزق وغيره . و إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ : أي إلى جزائه ، أخبر بالمعاد والحشر . ثم قال : وَإِنْ تُكَذِّبُوا : أي ليس هذا مبتكرا منكم ، وقد سبق ذلك من أمم الرسل ، قيل : قوم شيث وإدريس وغيرهم . وروي أن إدريس عليه السلام عاش في قومه ألف سنة ، فآمن به ألف إنسان على عدد سنيه ، وباقيهم على التكذيب . وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ : تقدم الكلام على مثل هذه الجملة . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وأبو بكر ، بخلاف عنه : تروا ، بتاء الخطاب ؛ وباقي السبعة : بالياء . والجمهور : يبدئ ، مضارع أبدأ ؛ والزبير . وعيسى ، وأبو عمرو : بخلاف عنه : يبدأ ، مضارع بدأ . وقرأ الزهري : كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ، بتخفيف الهمزة بإبدالها ألفا ، فذهبت في الوصل ، وهو تخفيف غير قياسي ، كما قال الشاعر : فارعى فزارة لا هناك المرتع وقياس تخفيف هذا التسهيل بين بين ، وتقريرهم على رؤية بدء الخلق في قوله : أَ وَلَمْ يَرَوْا ، وفي : فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ، إنما هو لمشاهدتهم إحياء الأرض بالنبات ، وإخراج أشياء من العدم إلى الوجود ، وقوله : ثُمَّ يُعِيدُهُ ، وقوله : ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ ، ليس داخلا تحت الرؤية ولا تحت النظر ، فليس ثُمَّ يُعِيدُهُ معطوفا على يُبْدِئُ ،